النقد ما بعد الاستعماري
يَعِد فيلم «Backstabbing for Beginners» في حملاته الدعائية بأن يكون “دراما كاشفة” عن أكبر فضيحة طالت الأمم المتحدة بعد الحرب الباردة؛ غير أنّ المشاهد العراقي قد يرى فيه، أكثر من فضح الاستعمار الجديد، إعادة إنتاج للأنماط القديمة من كراهية الشرق وتطهير الضمير الغربي. يتناول هذا التحليل، من منظور ما بعد استعماري، كيف لا يبرّئ الفيلم السياسات الغربية في العراق فحسب، بل يُقدّم في بنيته السردية أيضًا صورة ناقصة ومهينة عن الشعب العراقي، تخدم هدفًا واحدًا: إبقاء الغرب في مركز الأخلاق، حتى حين يعترف بفساده.
١. بغداد كقماش فارغ: تغييب الصوت العراقي المتعمَّد
يمتد الفيلم على 104 دقائق، ولا يقدّم سوى شخصيتين عراقيتين/كرديتين: ناشيم، الموظفة الأممية، وتاجر يدفع العمولات النفطية. أما مشاهد الشوارع البغدادية، فمقتصرة على أزقة فارغة في الدار البيضاء، والمارة فيها بلا أسماء ولا وجوه ولا كلمات. هذا الغياب ليس عرضيًا؛ فكما شرح إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، فإن الشرق في السرد الاستعماري يجب أن يبقى “خلفية صامتة” تُبرز أفعال البطل الغربي. حين تدور الكاميرا حول كتف مايكل سوسان، ليرى من نافذة فندقه “دخان آبار النفط السوداء”، تصبح بغداد ليست مدينة حيّة، بل ديكورًا ميتًا، وجوده مبرَّر فقط لإضفاء الشرعية على المغامرة الأخلاقية للرجل الأبيض. وهذا الإقصاء يعيد إنتاج الآلية ذاتها التي انتقدها تقرير مجلس العلاقات الخارجية: تحدّث عن الفساد، لكن لا تُظهر ضحاياه.
٢. دلالة اختيار البطل: “أبيض” يفضح الفساد
البطل دانماركي-أميركي؛ شاب، وسيم، نقيّ السريرة. حتى اسم الكاتب الحقيقي “سوسان”، ذو الجذر الفرنسي، حُوِّل في الفيلم إلى “ساندرز” ليبدو أكثر غربية. هذا الاختيار يفعّل “غريزة التطهير الذاتي”: فالفساد، مهما بلغ، فإن بذرة المقاومة مزروعة في النظام الغربي نفسه؛ الشرق لا يقاوم، ولا يستطيع أن يقاوم. يسمي هومي بابا هذه الآلية “إصبع الاتهام المُوجَّه إلى الداخل”: إذ يسعى المستعمر إلى إعادة إنتاج شرعيته الأخلاقية من خلال نقدٍ محسوب لذاته. حين يقول مايكل لمديره: “يجب ألا نسمح بموت العراقيين”، يكون الفيلم قد قبل، من دون وعي، بأن المُخلِّص الوحيد الممكن هو موظف غربي شاب، لا المجتمع المدني العراقي الذي ناضل طويلاً ضد الحصار.
٣. تمجيد “المرأة الشرقية” وموتها كموضوع
ناشيم، الكردية، هي أولاً ناقلة لمعلومات سرية، ثم تصبح معشوقة البطل، وأخيرًا تموت في انفجار سيارة. هذا النمط من “المرأة الشرقية الضحية/المُحفّز لنمو البطل الغربي” له تاريخ طويل في السينما: من “لورنس العرب” إلى “ثلاثة آلاف سنة من الشوق”. في نقد النسوية ما بعد الاستعمارية، تصف غاياتري سبيفاك هذا النمط بـ”البيض الذين ينقذون النساء البنيات من الرجال البنيين”. لكن هنا، حتى “مرحلة الإنقاذ” غائبة: تموت المرأة الشرقية لكي يكتمل الوازع الأخلاقي للرجل الأبيض. موت ناشيم ليس نتيجة قرار ذاتي، بل نتيجة فساد ذكوري، لكن الفيلم يجعل موتها أداة لتطور مايكل الشخصي؛ موتٌ “مؤثّر” ظاهريًا، لكنه يختزل ألم العراقيين إلى ميلودراما عاطفية.
٤. اللغة الاستعمارية في توصيف الفساد
في حوار محوري، يقول باشا لمايكل: “إذا سُرِق أربعة ملايين من عقد بقيمة أربعين مليونًا، فتبقّى ستة وثلاثون مليونًا للطعام.” هنا يُختزل الفساد إلى “نسبة مئوية”، وليس كجريمة ضد اقتصاد منهار. تقرير للكونغرس الأميركي عام 2005 أكد أن العقوبات الأممية ضاعفت معدل وفيات الأطفال العراقيين؛ لكن الفيلم لا يُظهر كيف تُترجم هذه “النسب” إلى معاناة حقيقية في بطون أطفال البصرة. الاستعمار المعرفي يكمن في هذا “الاختيار للمقياس”: الفساد يُقاس بالدولارات، والإنسان يُختزل إلى “متلقّي سعرات حرارية.”
٥. خدعة “العقوبات الإنسانية”
سمّي برنامج “النفط مقابل الغذاء” رسميًا بـ”العقوبات الإنسانية”: أي معاقبة نظام صدام دون الإضرار بالشعب. الفيلم يتبنّى هذه التسمية؛ فكلما شرح باشا أو مايكل هدف البرنامج، استخدما مصطلح “برنامج إنساني”. لكن السؤال بسيط: إذا كان إنسانيًا، فلماذا كان أكثر من 6500 طفل يموتون شهريًا بسبب سوء التغذية؟ (إحصاءات اليونيسيف، 1999). جواب الفيلم: الصمت. أشار ناقد دنماركي في مقال “دراسة حالة” إلى أن السيناريو قد حذف تردد سوسان المبكر في دعم مبدأ العقوبات، وركّز فقط على الرشوة؛ وبهذا، يصبح الاستعمار الاقتصادي (العقوبات) طاهرًا، بينما الفساد الإداري (العمولات) هو وحده المجرّم. لكن من منظور العراقيين، كانت العقوبات بحد ذاتها فسادًا حكوميًا.
٦. الرموز البصرية: اللون الأوكر الباهت
كلما انتقل السرد إلى بغداد، انقلبت الصورة إلى فلاتر صفراء/بنية؛ تقنية تُعرف ساخرًا بـ«فلتر الشرق الأوسط». هذه الرمزية اللونية تُطبع في ذهن المشاهد على أنها “حرارة، غموض، وغرابة”. أظهرت باحثة الإعلام إليزابيث لاورا أن هذا الفلتر يستخدم حتى في الأخبار الغربية عن الشرق الأوسط لإنتاج مسافة حسية مع الموضوع. كان يمكن للفيلم، بميزانيته المتواضعة، أن يختار واقعية بصرية حيادية، لكنه عمد إلى استخدام هذا اللون لتأكيد “حرارة الفساد”، رابطًا الأزمة الأخلاقية بالجغرافيا الشرقية.
٧. بن كينغزلي و”وجه السمسار الشرقي”
رغم أن باشا مستوحى من بنون سوان، الدبلوماسي القبرصي، فإن أداء كينغزلي يبتكر لهجة متعمدة بلا جذور: لا هي إنكليزية، ولا يونانية، ولا عربية. هذه “اللهجة الشرقية الخيالية” تستحضر أسلوب هوليوود في أربعينات القرن الماضي حينما صوّرت الشرقيين بأصوات غليظة وكلمات مُمططة. باشا يدخّن السيجار الكوبي، يستضيف فتيات روسيات في حفلاته، ويقول في جملة تهديدية: “هذه هي السياسة، كنت تأمل أن تكون شيئًا آخر؟” هكذا يتحول الفساد إلى صفة شخصية، لا بنية دولية. يستنتج المشاهد أن المشكلة في “الرجل الشرقي المرتزق”، لا في هيكل العقوبات أو نظام النفط العالمي.
٨. آلية “تطهير الضمير” من خلال إفشاء محدود
يقدّم الفيلم خاتمة تبدو ناقدة: مايكل يكشف الفساد، ويحرّك ضمير وزير الخارجية الدنماركي، الذي يلقي كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكننا لا نسمع الكلمة؛ فقط نرى شفتيه من خلف زجاج قاعة المؤتمر، والموسيقى التصويرية المفعمة بالأمل تملأ المشهد. هذا الخيار البصري يخلق إحساسًا بالتطهير قبل سماع الحقيقة؛ وكأن النظام قد أصلح نفسه. ولكن، كما أظهر تقرير فولكر عام 2005، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا من أكبر منتهكي اللوائح، دون محاكمة مسؤول واحد رفيع. وهكذا، يستبدل الفيلم العدالة الحقيقية بإفشاء رمزي، ويترك الضمير الغربي مرتاحًا.
٩. حيلة ضغط الزمان والمكان
يختزل السيناريو أربع سنوات من الفساد في مشاهد معدودة: اجتماع واحد مع تاجر، مكالمة لاسلكية، وبضع رُزم دولارات في حقيبة. هذا التكثيف ضروري دراميًا، لكنه يشوّه الحقائق من منظور ما بعد استعماري: المشاهد يظن أن الفساد ارتكبه أفراد قلائل، لا عشرات الوزارات ومئات الشركات الغربية (من توتال إلى دايملر)، التي شاركت في الرشاوى حسب تقارير الكونغرس الأميركي. النتيجة: تُقلّص المسؤولية البنيوية، وتُنسى إمبراطوريات النفط.
١٠. توصيات للمشاهد العراقي
عُرض الفيلم ضمن شبكة A24 في أميركا، وهي شركة توصف بالاستقلالية وتنتج أحيانًا أفلامًا ناقدة، لكن هذا الاستقلال الظاهري لا يعني الحياد. فالموزّع الرئيسي DirecTV مملوك لشركة AT&T، وهي من عمالقة الإعلام المرتبطين بمراكز القرار في واشنطن. لذا، رغم أنّ الفيلم يهاجم الفساد، إلا أن روايته النهائية تبقى ضمن دائرة قبول العقوبات والتدخل الخارجي.
إذا شاهدت الفيلم، احتفظ بهذه الأسئلة في ذهنك:
١. من يروي القصة، ومن تم إسقاطه منها؟
٢. كيف يُختزل الفساد إلى بضع شخصيات، وأين يُخفى هيكل العقوبات؟
٣. في كل مرة تقترب فيها الكاميرا من وجه مايكل، ما هي المشاهد الواقعية التي تخرج من الإطار في العراق؟
ما دمنا نطرح هذه الأسئلة بوعي، يصبح «Backstabbing for Beginners» ليس مجرد ترفيه، بل وثيقة عن استمرار الاستعمار في ميدان السرد: استعمار يعود هذه المرة عبر السيناريو والفلتر اللوني، لا عبر دبابة زرقاء تابعة للأمم المتحدة. مهمة النقد ما بعد الاستعماري أن يُسقط هذه الأقنعة السردية، ويُعيد جغرافيا الألم—التي لا تزال تتنفس في أزقة بغداد والبصرة—إلى مركز الحكاية.
القصة والبنية السردية
فيلم الإثارة السياسية «Backstabbing for Beginners» (2018) من إخراج پِر فِلاي هو اقتباس حرّ من مذكرات مايكل سوسان، الموظف الدنماركي-الأميركي في برنامج “النفط مقابل الغذاء” التابع للأمم المتحدة. تبدأ الأحداث في خريف عام 2002، في ذروة التوتر العالمي بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق. مايكل (ثيو جيمس)، شاب في الرابعة والعشرين من عمره، يدخل مقر الأمم المتحدة في نيويورك حالمًا بـ«تغيير العالم»، ويُرسل إلى بغداد بصفة منسّق صغير من قبل كوستا “باشا” پاساريس (بن كينغزلي)، وهو تجسيد كاريكاتوري لشخصية بنون سوان، المدير الحقيقي للبرنامج.
السيناريو لا يتتبع خيوط الفساد الإداري بالتفصيل، بل يسير كـ«قصة نضج سياسي»: يتعرّف مايكل في فندق الرشيد على ناظمة كردية تُدعى ناشيم (بلچيم بيلگين)، ويبدأ تدريجيًا بكشف خيوط الرشاوى في البصرة والحسابات البنكية في الأردن، ليجد نفسه في النهاية أمام خيارين: الصمت أو الفضح. يختار الثاني. محور التوتر هنا هو انهيار وهم الشباب؛ إذ يصرح الفيلم منذ البداية بأن “في السياسة لا يوجد مبتدئون، الجميع إمّا أساتذة في الخيانة أو ضحايا لها.”
السرد يتنقل بإيقاع سريع نسبيًا بين نيويورك، ممرات الأمم المتحدة، غرف فندق بغداد ذات الطابع النيونواري، وطرقات الصحراء. في مشاهد بغداد، تستخدم كاميرا برندن ستايسي مرشحات لونية دافئة (أوكر) لإبراز التناقض بين “الذهب الأسود” و”التراب الأصفر”، في مقابل برودة نيويورك بألوانها الزرقاء الرمادية؛ وكأن الفساد يترسّب في حرّ الشرق الأوسط بينما يتجمّد الضمير في شتاء الغرب. موسيقى تودور كوباكوف القائمة على إيقاعات إلكترونية وأوتار خافتة، تُحدث أثرًا أحيانًا، لكن في مشاهد المحكمة الداخلية للأمم المتحدة، تبدو غير منسجمة مع الحوارات.
الاستنتاج
«Backstabbing for Beginners» يمكن أن يُقدَّم كدرس مختصر في فضيحة “النفط مقابل الغذاء”، أو كفيلم إثارة أخلاقي عن فساد منهجي. لكنه يتأرجح بين الاثنين دون أن يبلغ أياً منهما حقًا. فإذا كنّا نبحث عن شخصيات داخل دوامة الفوضى الأممية، فإن أداء كينغزلي وجيمس يستحق المشاهدة. أما إذا كنا ننتظر لحظة يصغي فيها الفيلم لأصوات العراقيين، فسنصاب بخيبة. فسياسة النفط، كما دائمًا، تُروى بدماء شرقية وحوارات غربية — وهذه المرة أيضًا، لم يُسمع صوت ضحايا العقوبات في قاعة السينما.
عناصر الإنتاج وظروفه
پِر فِلاي، المخرج الدنماركي المعروف بثلاثيته عن الطبقات الاجتماعية في اسكندينافيا، يخوض هنا أولى تجاربه في اللغة الإنكليزية. كتب النسخة الأولى من السيناريو دانيال باين، غير أن فلاي أضاف في إعادة الكتابة نبض أوروبا الشمالية: بطل مثالي، ألوان خالية من التزيين، ونبرة نقدية أخلاقية. التعاون الإنتاجي الكندي-الأميركي-الدنماركي مكّن من إدارة ميزانية متواضعة بقيمة ثمانية ملايين دولار بهدوء وضبط. بدأ التصوير في مارس 2016 في المغرب؛ حيث تحوّلت شوارع الدار البيضاء ببعض الديكور إلى “الكرادة” في بغداد. لاحقًا، انتقل الفريق إلى كوبنهاغن لتصوير مشاهد مقر الأمم المتحدة وفندق رافائيل داخل الاستوديو. (تحمل “صندوق أفلام كوبنهاغن” جزءًا من التمويل الدنماركي).
كان من المقرر أن يؤدي جوش هاتشرسن دور البطولة، لكن تعارض تصوير فيلمه «Hunger Games» مع الجدول الزمني للإنتاج أدى إلى استبعاده، واستبداله بثيو جيمس؛ تغيير وصفه فلاي بأنه “حافظ على طابع المثالية الشبابية، لكنه أضاف طبقة من المرارة الناضجة.” أما بن كينغزلي، فقد وقع العقد في أقل من أسبوعين حسب تقرير «فارايتي». وجود نجم فائز بالأوسكار في فيلم مستقل كان ورقة رابحة للتوزيع الخارجي. تولت شركتا A24 و DirecTV Cinema التوزيع في الولايات المتحدة: العرض الرقمي بدأ في مارس 2018 عبر DirecTV، وتلاه عرض سينمائي محدود في الشهر التالي. بلغ مجموع الإيرادات العالمية، بحسب إحصاءات The Numbers، نحو 343 ألف دولار فقط؛ فشلٌ يُعزى إلى استراتيجية “الفيديو عند الطلب أولًا” والحملة الدعائية المحدودة.
تحليل المضمون والثيمات
الفيلم، وفقًا لما يدّعيه صنّاعه، “مبني على أحداث حقيقية”. وتشير وثائق فضيحة “النفط مقابل الغذاء” إلى أنّه بين عامي 1996 و2003، تم بيع ما يقارب 64 مليار دولار من النفط العراقي، مقابل شراء مواد غذائية وأدوية، لكن ما لا يقل عن 10 إلى 15% من كل عقد، كان عمولة صامتة لحزب البعث والوسطاء الغربيين. الفيلم يدمج هذه الأرقام في الحوارات: يقول باشا “إذا دخلنا 60 مليارًا من الأغذية، فلا تدع بضع ملايين من الرشاوى تفسد الحكاية”. هذه “الأخلاق الرمادية” هي الثيمة المركزية في السرد: الفساد ضخم إلى درجة أن مقاطعته تؤدي إلى تجويع خمسين مليون إنسان. يطرح الفيلم السؤال: هل تستحق 85٪ من المساعدات النزيهة أن نغض الطرف عن فساد الـ15٪؟
إلى جانب البعد الجيوسياسي، يبني الفيلم قصة رومانسية بين مايكل وناشيم. ناشيم امرأة مزدوجة الهوية: موظفة كردية في الأمم المتحدة، ومرشدة للميليشيات المحلية. هذا الازدواج كان من الممكن أن يضيف شخصية معقدة ومحلية إلى الحبكة؛ لكن السيناريو يختزل تطورها عبر قتلها المفاجئ في تفجير سيارة، محولًا تطورها الشخصي إلى دافع تراجيدي للبطل. رأى بعض النقاد أن هذا التناول هو “هوليوودية” لعناصر الشرق الأوسط؛ فجسد المرأة الشرقية هنا ليس سوى محفز لنضج البطل الغربي.
على مستوى الاستعارة، يحاول الفيلم تقديم الأمم المتحدة كنسخة حديثة من الإمبراطوريات القديمة: علم أزرق بدلًا من الصليب أو راية الاستعمار، لكن بنفس منظومات الرشوة ومكافآت النفط. يجسّد بن كينغزلي هذا المفهوم من خلال لهجة غامضة تجمع بين اليونانية والقبرصية، ويختصر “الدبلوماسية المالية” بجملة محورية: “المثالية للشباب؛ الرجال الرماديون هم من يصنعون التاريخ.” هذه العبارة تشكّل جوهر الرسالة، غير أن المخرج لا يجعلها خطابًا مباشرًا، بل يُبرزها في صمت مايكل وهو يشاهد من نافذة البنتهاوس دخان البصرة يرتفع.
نقاط القوة
١. أداء بن كينغزلي: شخصية باشا كانت مهددة بالوقوع في كليشيه “اللص الشرقي”، لكن كينغزلي بصوته المعسول وتهذيبه الخادع، أبقاها عند الحافة بين الأبوة الموجهة والتهديد المستتر. نظرته تقول “أنا أعرف الطريق”، وهمسته تحذّر “افضحني وستُمحى.”
٢. الاستخدام المزدوج للفضاء: غرف الأمم المتحدة بأعمدتها المقوسة ولوحاتها المترفة، تبدو مهيبة ولكن فارغة؛ بينما فندق بغداد يعج بالحركة لكنه منفّر. هذا التناقض يكشف أن السلطة الحقيقية تولد في قاعات الخُطب، فيما الضحايا يموتون خارجها.
٣. كثافة المعلومات: بالنسبة للمشاهد غير المطلع، يقدم الفيلم إشارات مختصرة لعقود كوبونات النفط، عقوبات عام 1991، وقوائم الشركات الوسيطة، دون الانحدار إلى مستوى عرض جاف من نوع PowerPoint.
نقاط الضعف
أ) رسم الشخصية الأحادي لمايكل: البطل يمر بمرحلتين فقط خلال 104 دقائق: مثالي ساذج، ثم كاشف خائب. تاريخه العائلي (وفاة والده الدبلوماسي) يُذكر في مشهدين عابرين، ولا يُوظّف لبناء هوية عميقة.
ب) ضعف الإنتاج في مشاهد الأحداث: مشهد تفجير سيارة ناشيم يُصور عبر اهتزاز الكاميرا وفلاش ضوء؛ يظهر النقص في الميزانية ويُضعف وزن موت شخصية محورية.
ج) رومَنسة العلاقة بين مايكل وناشيم: الحب من النظرة الأولى داخل المنطقة الخضراء، مع مونتاج نظرات ولمسات وسيناريو حميم، يبدو دخيلًا على سياق سياسي ثقيل. كما أشار ناقد فارايتي: “بدلًا من تعقيد القصة، تُهوليوِدها.”
د) صمت العراقيين: باستثناء ناشيم وتاجر واحد، يُختزل الوجود العراقي إلى خلفية صورية؛ وهي ذات التهمة الموجهة منذ زمن لسينما الغرب: الشرق كمنظر، لا كموضوع سردي.




كن أول من ينشر تعليقًا.
آراء المستخدمين